نجيب محفوظ محللاً للتاريخ

الروائي المصري نجيب محفوظ أدمن تحليل التاريخ المصري القديم والحديث، وقد خصص أغلب أعماله لمناقشة قضايا بلده السياسية من خلال الحبكات الروائية المختلفة، وعبر الشخصيات الغنية المتوترة، حيث تقف في مواقف النقيض لما هو كائن من أنظمة سياسية، لم تبلغ درجة النموذج لديه، المتجسد في النظام الديمقراطي (العادل) أي النظام الذي يقف مع الطبقات الشعبية من دون قهر، أي النظام الديمقراطي الاشتراكي كما يتصوره محفوظ في حلمه السياسي.

كذلك هو يعتمد على التصوير عبر الأحداث والأساليب المتعددة المليئة بالأخيلة والبرقيات الموجزة. إن هذا التفكير بالأرض وبالتاريخ السياسي، هو الذي يميزه، فإذا كانت التحليلات تتدفق، والرموز تنهمر، فهي كلها تفكير سياسي، ولكن في زمن الدولة الوطنية العسكرية، كانت هذه مغلفة بالكثير من الرموز وبالشخصيات المأزومة، وحين خفتت الأحكامُ القهرية أخذت الأفكار السياسية تغدو شديدة الوضوح وأحياناً تفقد تلك الفنية العالية التي تجلت في المرحلة السابقة.

في كتابه «أمام العرش» يوجه تحليله نحو تاريخ مصر بكليته، ويبتكر شكلاً قصصياً طريفاً، فيقيم أوزوريس محاكمة لجميع حكام مصر، منذ السلالات الفرعونية حتى عبدالناصر وأنور السادات. إن هذا الشكل القصصي هو حوارٌ دائمٌ عبر العصور، يتمثلُ فيه الحكامُ وفتراتهم المختلفة، وما أرادوه وما أنجزوه، فيتضحُ السجلُ الحافلُ بالصراعات وتتجسد مسيرة التاريخ الوطني التي لا تتوقف، ولهذا فإن العرض القصصي هو عرضٌ للوقائع والأحداث، وهو ومضاتٌ سريعةٌ عن نفوس الحكام المتوارية زمن الحكم بألف خدعة وبهرجة. فنراهم أمامنا وقد تعروا من ملابسهم الديكورية التاريخية، فمنهم الذي اندفع للبناء وتعمير الأرض وخدمة الوطن والدفاع عنه ضد الغزاة ومنهم مَن كرس الوطن وخيراته لذاته. ولا يُترك الحاكم وحده يعرض منجزاته الحقيقية أو الوهمية، بل إن أوزوريس يوجه النقد والأسئلة لهذا الحاكم، وغالباً ما تكونُ اسئلة عميقة نافذة، تكشفُ عن الفساد والإهمال الفظيعَين، وإدانة للغزو الخارجي واستغلال الأمم الأخرى، وغير ذلك من المشكلات التي تنمو أثناء التطور.

وينقسم حكام مصر إلى نوعين أساسيين في العصر المصري القديم، أولهما هو النوع المستبد الباني، الذي يتمثل في أغلبية حكام الأسر الذين أسسوا الحضارةَ المصرية الواسعة الخالدة، بأدوات عصرهم الاقتصادية والثقافية. والنوع الثاني هو الثوار الذين شيدوا دول التقدم ومساعدة الضعفاء والفقراء الذين أهلهم التاريخُ المكتوبُ وسميت عصورهم بعصور الفوضى والظلام.

إن ممثل قوى المعارضة الشعبية الحاكمة هو «أبنوم» الذي يتقدم أمام أوزوريس فيقول: «تجاهل التاريخُ أسماءنا وأفعالنا، فهو تاريخٌ يدونه الخاصةُ، ونحن من عامة الفلاحين والصناع والصيادين، ومن عدالة هذه القاعة المقدسة انها لا تغفلُ من الخلق أحداً، وقد تحملنا من الآلام فوق ما يتحملُ البشر، ولما أنصبَ غضبنا الكاسرُ على عفنِ الظلم والظَلَمة نعتوا ثورتنا بالفوضى، ونعتونا باللصوص…».

إن الروائي محفوظ يجلبُ مختلفَ الحكام لمحكمةِ العدل الأدبية، ويجمعُ خيطاً مضيئاً لجميع الشخوص من ملوكٍ وثوارٍ وحكماء، وكل أولئك الذين وضعوا مداميك البناء الإنساني، وخاصة في العهود الغارقة في الصمت والعتمة، كالحكام الذين تصدوا لغزو الهكسوس وقاموا ببناء السدود، من دون أن تغمض عيون أوزوريس – محفوظ المشتركة، عن فسادهم وانغماسهم في الملذات، مثلما يستل خيط النور للمقاومة ونضال البسطاء من كومة قش التاريخ المضللة.

وفي العصر الحديث ينشد أوزوريس محفوظ بقوة لنموذجه المبهر، وهو (سعد زغلول) مؤسس مصر الحديثة الديمقراطية، ولكنه يعرضه بموضوعية وبنقد، لم يكن من عادته في رواياته الأولى، فقد حاول أن يجمع الفقراء والأغنياء في تيار واحد، وهو الموقف الذي أدى إلى فشل كفاحه، ويجيء ذلك على لسان أوزوريس: «قال بعضُ أعوانك إنه يجب أن تبقى على رأس الثورة ولا تقبل الوزارة». لكنه تراجع عن الثورة وذاب في الجهاز الحكومي.

ويكملُ مصطفى النحاس سيرةَ سعد زغلول، حيث وضع مبادئه في مجرى النضال الحقيقي على الأرض: «مرحباً بالثائر الشعبي الثالث في حياة شعبنا، وقد استمد قوته من إيمانه بشعبه وإلهه، واتسمت حياته بالكفاح الطويل والنزاهة، وقد عاش فقيراً ومات فقيراً».

لقد كانت مبادئ الوفد حسب رؤية محفوظ البرجوازية الوطنية هي ذروة تطور مصر الحضاري، عبر تضفيرها بين الحرية الفردية والحرية الاجتماعية، ولكن هذه المبادئ لم تُستكمل في تيار قوي جديد، ولهذا فإن محكمة أوزوريس تستدعي «شاهداً أم متهماً؟» هو الرئيس جمال عبدالناصر مفجر ثورة يوليو، فتنشبُ معركةُ حوارٍ بين القادة الوطنيين الثلاثة الكبار. تلخص كلمات النحاس رؤية محفوظ لتاريخ الثورة المصرية الأخيرة فهو ينتزعها من شروطها الطبقية والتاريخية، ويغدو التاريخ عمل أفراد فيذكر: «… كان بين يديك قاعدة وفدية شعبية أنهلت عليها بدباباتك، وعجزت عن إقامةِ بديل عنها فظلت البلاد تعاني من الفراغ، ومددت يدك إلى المنبوذين من الأمة فوقعت في تناقضٍ مؤسف بين عمل إصلاحي يعتبر في روحه امتداداً لروح الوفد وأسلوب حكم يعتبر امتداداً لحكم الملك والأقليات، حتى قضى أسلوبُ الحكم على جميع النوايا الطيبة!».

ومن الواضح ان رؤية النحاس باشا – محفوظ، ترتكز على تعابير مجردة مثالية ككلمة الروح، معتبراً ثورة البرجوازية الصغيرة من الضباط الوطنيين الشموليين مماثلة لثورة البرجوازية الوطنية ذات الأساليب المغايرة، وهذه الرؤية تتجسد فنياً في تحويل التاريخ إلى شخوص مقطوعة السياق بطبقاتها.

يواصل مصطفى النحاس الهجوم على عبدالناصر: «وأغفلت الحرية وحقوق الإنسان، ولا أنكر انك كنتَ أماناً للفقراء ولكنك كنتَ وبالاً على أهل الرأي والمثقفين وهم طليعة أبناء الأمة».

ورؤية الروائي هنا تغفلُ أسباب عجز الفئات الوسطى التي قادها النحاس عن استكمال معركة التحرير الوطني، وإبقاء الفلاحين في ظروف إقطاعية شديدة التخلف والقسوة، واندماج قادة الوفد في الفئات الغنية الكبرى وتوقف الوفد عن استكمال الثورة الثقافية عبر الديمقراطية والعلمانية، وبهذا فإن هذه الرؤية تتطابق مع تلك الفئات، بسبب منهج الرؤية الفرداني، وتصويرها للتاريخ وكأنه فعل أفراد.

وتلخص إيزيس نضال عبدالناصر بالقول التالي: « إن أعماله الجليلة لتحتاج إلى جميع جدران المعابد لتسجيلها، أما الأخطاء فلا أدري كيف أدافع عنها».

وإذا قام السادات بأعمال مهمة كتوسيع الحريات وتحرير الأرض إلا أنه أحدث سلبيات أخطر، ولهذا فإن سعد زغلول يوجه إليه انتقادات كبيرة: «عندما يغتصب الحاكم حقوق شعبه يخلقُ منه خصماً، وعند ذاك تهدرُ قوةَ البلاد الأساسية في صراع داخلي بدلاً من أن توجه للعمل الصالح».

إن الشكل القصصي الذي ابتكره محفوظ هنا يتداخل والرؤية، فهو شكل قصصي مفتوح، كله حوارات، ويتقلصُ فيه السرد، فيغدو شكلاً مبسطاً مباشراً، ليس فيه تحليلات داخلية على هيئة منولوجات أو تشخيصات، ومن هنا فالمؤلف لم يضع على الغلاف كلمة «رواية» بل كتب «حوار مع رجال مصر»، رغم الأسلوب القصصي في العرض، وهو أمرٌ يشير إلى توجه الكتاب ليكون مقالات أو أعمدة على ألسنة الشخصيات التاريخية، كأنها محاكمة من آخر الزمان، لكن الكتاب لا يصل إلى نموذج الرواية.

عبدالله خليفة
تاريخ الماده:- 2006-08-27