أحلام نجيب محفوظ — ومضات تستدعي وميضا

محمد المخزنجي
ما أن حظيت بنسخة مبكرة من ‘أحلام فترة النقاهة’ الذي ننشرته دار الشروق لاستاذنا الكبير نجيب محفوظ حتي طرت لقراءتها.. أزحت جانبا كل ما يشغلني، واختليت بالكتاب متلهفا لاستكشاف، ككل، فالإطلالات المتقطعة علي بعض ما نشر منه لم تكن تكفي قارئا اعتاد قراءة الكتب. كما أن النظر إلي التجربة الابداعية في مجال بعينه، ككل، تبلور رؤية كنت في مسيس الحاجة إليها، ككاتب مولع بالمنمنمات السردية، ومفعم بالفضول تجاه مقاربة أستاذ كبير لموضوع الأحلام الذي يثير شهيتي وتحيري منذ عشر سنوات كموضوع للكتابة ويضرب في قناعات المهنة كطبيب نفسي سابق وربما لاحق منذ عشرين عاما.
قرأت، وانتشيت، وحلقت مسحورا في أثير الأحلام، التي ليست مجرد أحلام . وعندما هبطت إلي أرض الكتابة عن هذه التجربة المحفوظية، وجدتني أوشك علي إرتكاب جريمة!
برغم عدم تحمسي للإسهامات العلمية لقطب التحليل النفسي الأعظم ‘فرويد’ فإن كتابه في تفسير الأحلام يعتبر ‘عمده’ في مجاله. وهو كتاب فن جميل للغاية.
أما عن قراءة علم النفس للأدب، فإن أوضح ملامحها تظل مدينة بأكثر زخمها لتلاميذ فرويد، والمنشقين عليه، والمجددين بعده.. يونج، وايربك فروم، ولا كان، وجان بلامان، وغيرهم، وغيرهم
تبرعت في الكتابة من زاوية التحليل النفسي لنصوص أحلام فترة النقاهة، منطلقا من مقولة ‘جان بلامان نويل’: إن التحليل النفسي الفرويدي هو فن تفكيك رموز الحقيقة في كل القطاعات الغامضة للتجربة الانسانية كما يعيشها الانسان، أي كما ‘يرويها’ للآخرين أو لنفسه’.
وما أن بدأت التفكيك حتي أصابني الفزع، فقد وجدت نفسي أسير في عكس الاتجاه الذي يسلكه الخيميائي الذي أحبه وأثق فيه، وبدلا من تحويل التراب إلي ذهب أحول الذهب إلي تراب.. تراب تفكيك ‘الرموز’ وتعريتها، أي نزع سحر الفن عنها.
وتذكرت قول فرويد نفسه في الهذيان والأحلام: ‘الشعراء والروائيون هم حلفاء لنا موثوق بهم وشهادتهم يجب أن تقدر كثيرا لأنهم يعلمون أشياء بين الارض والسماء لا تستطيع حكمتنا المدرسية أن تحلم بها. إنهم معلمونا في معرفة النفس البشرية، نحن الرجال العامين، لأنهم ينهلون من مصادر لم نجعلها بعد في متناول العلم’.
***

لم يكن ذلك تواضعا من فرويد، الذي كان قليل التواضع علي الأغلب، بل كان إقرارا بحقيقة مستقرة في وجدانه كقاريء نهم ومفتون بالأدب، شديد الولع بالاقتباسات الأدبية، فعندما سأله أحدهم عن معلميه، أجابه مشيرا إلي رفوف مكتبته حيث تتواجد روائع الادب العالمي لسرفنتس، وجوته، وهوميروس، وميلتون، وموليير، وشكسبير، وسويفت، ودوستويفسكي، وفلوبير،ونيتشة، وزولاه، وأوسكار وايلد، وبرناردشو، وغيرهم’.
من المؤكد أن أية لمحة من الجاذبية في التماعات التحليل النفسي هي مدينة بجاذبيتها للأدب والفن الذي نهلت منه، وهذا مايعترف به مؤسس التحليل النفسي فرويد الذي يقول في ‘الطوطم والتحريم’ في الفن تري كيف أن رجلا معذبا بسبب رغباته يحقق شيئا ما يشبه عملية الاشباع، وبفضل الوهم الفني، تنتج هذه اللعبة نفس التأثيرات الوجدانية كأن المقصود هو شيء ما من الواقع. فمن الصواب أن نتكلم عن سحر الفن’.
بلي، هو ذاك، سحر الفن، الذي كنت علي وشك الإجرام في حق نفسي تفكيك رموزه وتعريتها وأنا أشرع في الكتابة عن ‘أحلام فترة النقاهة’ وهو جرم لا ينبغي إقترافه، من أجل الحفاظ علي أهم ما يمنحه الفن، أي ‘التأثيرات الوجدانية’ القادرة علي الارتحال بنا إلي إحتمالات لا نهائية من الايحاءات، وزخم الصور، ومحيطات الرموز، خاصة والكتاب يحيلنا إلي فضاوات الأحلام، وماهي بمجرد أحلام نعم لقد استخدم استاذنا الكبير أهم خصائص الحلم في صياغة نصوصه السردية تلك، من تكثيف شديد يضمر في إيجازه سعة هائلة من الأفكار والمحتوي والمادة النفسية، والتحويل الذي يموه الرئيس ويبرز العارض، والتصوير الذي يعرب عن مقاصد الكلام الخافية بمشاهد ورموز مخبأة في المشاهد، ورفع الحواجز بين الأزمنة والأماكن ليكون هناك زمن واحد وحيد هو حاضر الحلم السرد، وإعتماد اللامعقول، واللا اجتماعي، كل ذلك يوهم بأننا نقرأ أحلاما، لكنها ليست بأحلام، وتحديدا ليست بأحلام نوم، وقد أوضح الاستاذ ذلك عندما صرح بأن الحلم يأتيه فيشتغل عليه، أي أن حلم النوم يقف من هذه النصوص عند حدود البذرة أو الفكرة أو الحافز لكتابة النص الذي يفارق الحلم ويغدو إبداعا أدبيا. ثم هو يفارق أحلام النوم بوضوح في النصوص التي تكتنفها حوارات يقظة محفوظية مشهودة طويلة الي حد ما. فالحلم، حلم النوم، هو علي الأغلب أقرب إلي فيلم صامت، فيلم صامت ثلاثي الأبعاد وصانعه هو بطله وهو من يرويه.
إنها مسرورات كالأحلام، وماهي بأحلام، لكنها بالتأكيد تؤاخي الأحلام في الهدف الذي تتوخاه بلاريب وهو تحقيق رغبة وهل كل أشكال الخيال، من أحلام اليقظة إلي الأدب والفن، إلا سعي لتحقيق رغائب مضمرة؟!
لاشك أن ‘أحلام فترة النقاهة’ نوع من التحقيق الفني لرغائب مأمولة لدي أستاذنا، لكن أهم مافي قراءتنا لهذه ‘الأحلام’ لن يكون هو الإمساك بصريح هذه الرغائب، بل يجعلنا نحن نحلم أيضا، نسعي بالتأثير الوجداني الكلي الذي تبعثه فينا هذه ‘الأحلام’ للتحليق بإتجاه اشواقنا والمقموعة بشكل ما الشجية لتحقيق رغائبنا الإنسانية المأمولة.. في الحب، في الحرية، في العدل، في الألفة، في صبوات الجسد، ونشوات الروح. ولم لا؟!
لقد قرأت وأنتشيت، وسأكرر القراءة لأنتشي مزيدا، وبرغم إبعادي الحاسم لأي شروع في التفكيك وتعرية الرموز، إلا أنني توقفت، ولا بأس من ذلك، أمام ملاحظة عامة أراها تؤكد عمق النشوة، لفرط إنسانيتها، فقد أحصيت أكثر من ستين حضورا للأنثي في أحلام الكتاب المائة وستة وأربعين، كما أن حضور البيت والبيت القديم والسكن والشقة كان وافرا. وبالرغم من ظهور ‘الام’ في كثرة من هذه الأحلام، فإن ‘الاب’ لم يظهر أبدا في أي حلم منها!
البيت، ببساطة، وقناعة،وعلي حد ما أورده بمعجم تفسير الأحلام للروائي توم شيتوايند، ابن الروائية الانجليزية بريدجيت شيتوايند (لهذا أطمئن إليه): ‘البيت كل ماهو عادي وصحي وعائلي، ويعتمد ذلك علي طبيعة ارتباطات الفرد الشخصية بالبيت، أما المنزل ككل فهو يعني الأم بشكل خاص. وإذا جئنا للأم فهي عند كثيرين ومنهم باخ أوفن وايريك فروم رمز لسلطة الأمومة ‘الماتريركية’ الممثلة للحدب والخصب والأرض والمساواة بين الأبناء، الأخوة، ونبذ الشقاق، وفي المقابل يكون ‘الاب’ رمزا للسلطة الأبوية ‘البطريركية’ المكرسة للمراتب المتفاوتة بين الناس، والمتسلطة بالقوانين أو بدونها، ومن ثم الباذرة للشقاق والمشعلة للحروب.
إنني أذكر للدكتور لويس عوض حديثا في ندوة بجامعة المنصورة، تسرب فيها صوته خفيض النبرة، بصعوبة، عبر هتافات غبية للتعصب الأعمي راحت تطالب بإسكاته لمجرد أنه، ‘لويس عوض’ كان يتحدث عن حق الاختلاف، وجاء علي ذكر نجيب محفوظ، فقال عبارة استعيدها بوضوح: ‘نحيب محفوظ رجل متحضر جدا، بل لعله يكون أكثر الناس تحضرا في مصر’. وهل من تحضر أكثر من تحضر مبدع ينحاز لحضارة ‘سلطة الأمومة’ في ‘أحلامه’ وفي مواجهة واقع ينوء بأثقال وآثام سلطة البطارقة؟!
***

الكبير نجيب محفوظ مبدع متحضر، بلا ريب، لكنه، بلا ريب أيضا، مبدع مغامر برغم حرصه الشديد علي جوهر التحضر، بنبذ كل انفلات حوشي في إبداعه، ومسلكه، وما لجوئه لاطار الأحلام إلا قفزة بارعة في محيط صاخب، مسكون بحريات لا محدودة ومحقوف بتخيل لا ضفاف له، ومكتنف بالظلمات والأهوال، لكنه آثر أن يخرج من هذا المحيط بلؤلؤ الأناشيد، ولؤلؤ الأناشيد شجيه العذوبة.
وياله من غواص معجزة، تجاوز التسعين، وليكن الكلام عن هذه المعجزة منبثقا أيضا من أحلام فترة النقاهة.. ليس مثل وهن اللغة دلالة علي زحف الشيخوخة، وليس مثل تآكل المفردات دليلا علي وهن اللغة . والمتخصصون في العلوم العصبية يعتبرون فقر المفردات من باكورة مؤشرات أمراض شيخوخة العقل لكننا هنا نواجه بمعجزة حيوية أسطورية رجل تجاوز التسعين يكتب نصوصا لا تتكرر فيها المفرد مع تعدد السطور، ولا ينيب مفرده عن أخري في غير موضعها، وثمة ذري تعبيرية تليق بكاتب في عنفوان شبابه:
أتذكر: يهتف من أعماقه الجريحة. تتابعي الحركات وأنهمر سيل المدعوين من كافة النواحي.. وبتكرار المعجزة مضي السرور يفتر والضجر يزحف حتي ضقت بالمشي والرؤية وتاقت نفسي للرجوع إلي مسكني. ولكم فرحت حين لاح لي وجه الدنيا وآمنت بمجيء الفرح. وملأ السرور جوانحي غير أن ذلك السحر لم يدم طويلا.
قال الأستاذ إنه بعد أن ضعف سمعه وكل بصره لم يعد لديه غير أحلامه مصدرا للإبداع. وياله من إبداع جبار يجترحه هذا القلب الوديع والنفس الحسنة . فالعزل الحسي هو من الشدائد الكبري التي تجعل النفوس تتشظي والعقول تتناثر وثمة تجربة علمية عن إنسان يوضع في حجرة تحت الماء لمنع المنبهات الحسية عنه فتكون النتيجة جنونا عابرا أومقيما تنبشق منه هلوسات الرؤية والسمع وضلالات التفكير. وهي تجربة سبقتها ملاحظة ‘بافلوف’ عن الكائنات التي أصابها الجنون جراء فيضان بطرسبرج لأن طوفان الماء منع وصول الأصوات إلي آذانها والروائح إلي أنوفها بينما عيونها في الأصل كليلة! فأي جبروت جميل، وبركة إلهية، في صنيع نجيب محفوظ الذي واجه العزل الحسي بتخليق إبداع جميل، حيوي ومغامر، مرهف وبصير.
يقول فرويد في ‘محاولات في التحليل النفسي’: كل من يتقدم به العمر يتوقف عن اللعب، يمتنع ظاهريا عن اللذة التي يشعر بها جراء اللعب الطفولي، غير أنه من الصعب علي الانسان أن يتخلي عن فرح قد أحس به، نقول الحقيقة عندما لا نستطيع التنازل عن شيء. لا يسعنا إلا أن نبادل شيئا بشيء آخر، حيث أن هناك تراجعا. فعوض أن يلعب الإنسان يطيب له من الآن فصاعدا التحليق (الاستيهامي) يبني قصورا علي الرمال، يعكف علي مانسميه أحلام اليقظة حيث نفترض أن العمل الأدبي علي شاكلة الحلم النهاري، يصبح استمرارا وبديلا للعبة الطفولية القديمة.
***

الفن لعب، هذا صحيح، لكنه لعب شديد الجدية، مرهق ومثقل بالمسئوليات الجمالية والفكرية والأخلاقية، ونادرا ما يقوي عليه مسن، وعندما تكلم فرويد عن التقدم في السن كان يقصد مغادرة مرحلة الطفولة، لكننا هنا حيال من غادر بالعمر مراحل الطفولة والشباب والكهونلة والشيخوخة ويوغل في الهرم، لكنه لم يفقد حيوية الذهن اللاعب بمرونة وذكاء وجمال فائق. ياله من طفل نوراني يخطر بيننا.
في كلمته الموجهة للإنسانية في حفل تسلم جائزة نوبل تجلي يقين نجيب محفوظ في أن الخير علي الأرض أقوي بدليل استمرار الحياة البشرية برغم الأوبئة والمجاعات والحروب والكوارث. وهو يقين يراوغه أغلب الأدباء والفنانين لأن الشر له جاذبيته وحيله التي لا تنتهي.
الانحياز للخير رختيار يؤكده استمرار الحياة علي كوكبنا الأزرق الصغير المعلق في سويم الكون المظلم الشاسع. وهو أمر تؤكده ثقافتنا الروحية المشددة علي أن الأرض يحفظها ‘عباد الله الطيبين’ قد يكون هؤلاء الطيبين قلة نادرة، لكن الواحد منهم يربد علي الآلاف من عملاء الشر. ونجيب محفوظ نفسه واحد من هؤلاء الخيرين الذين يساوي الواحد منهم آلافا وملايين، والذين في يقيني الروحي يبارك الله من أجلهم استمرار الحياة، ويصون كرامات هؤلاء الآحاد، وهل هناك كرامة لكاتب تخطي التسعين أجل من هذا الاستمرار المجدد والجميل في نقاهة معجزة تنبت فيها للكائن البشري أجنحة يحلق بها في فضاءات الأحلام؟
إن لدي إحساسا منذ آخر مرة بعيدة رأيت فيها استاذنا الكبير، بأنه رق وخف وشف حتي صار هونفسه حلما، وهاهو الحلم يبدع أحلاما، هي عندي مثل ومضات تنبثق من لا مكان ولازمان، فتضي لنا ما يحيط بنا وما يكتنف وجودنا، تماما مثل نبضات الضوء الكوني القليلة، التي لولاها ما إنتهينا إلي مادة الكون المظلمة الشاسعة التي تشكل النسبة الأعظم من هذا الكون الذي تعرف عنه القليل ونجهل الكثير. لهذا أربأ بنفسي، وبغيري، أن يفكر في تفكيك هذه النبضات بوهم الإمساك بدقائق الفوتونات أو الكمات البنائية في قلبها، فهذا ليس عمل الأدب في ظني، ولأنقد الأدب أيضا. إنها ومضات ينبغي أن تؤخذ بكليتها، لتشع فينا سحرها الغامض، والذي يحسن بنا عدم إبتذال غموضه، لتجعلنا نحن أيضا نومصر. فنضيء بالوميض المتزايد مادة الوجود المظلمة العظمي من حولنا، وفينا.